الجمعة، 25 نوفمبر 2016

تاريخ محمد على

ولد محمد علي في مدينة قَـوَلة الساحلية في جنوب مقدونيا عام 1769. توفى ابراهيم أغا والد محمد علي ثم عمه طوسون أغا وهو لا يزال قاصرا ولم يتركا له مالا يستحق الذكر، فكفله حاكم قولة صديق أسرتهم، وربى محمد علي فقيرا يتيما، غير أن مضاء عزيمته وسعة حيلته جعلاه منذ حداثته من المتفوقين على أقرانه، كما أن مربيه زوجه من إحدى قريباته، وكانت سيدة ذات يسار فمكنته من الإتجار في الدخان، ولقى في عمله هذا مساعدة من أحد التجار الفرنسيين ربما كان لها شئ من التأثير في ميوله نحو أبناء الشعب الفرنسي. ومما يروى عن فواتح أعماله أن سكان إحدى القرى التابعة لحاكم قولة، رفضوا دفع الأموال الأميرية، فتطوع محمد علي لتحصيل تلك الأموال منهم بقوة من الجند لا تزيد على عشرة رجال، فقبل الحاكم تطوعه شاكرا وأصحبه بالرجال الذين طلبهم، فتوجه بهم الى مسجد البلدة العاصية، ودعا اليه أربعة من وجهائها، فهرولوا الى لقائه وهم لا يعلمون الغرض من هذه الدعوة فقبض عليهم واستاقهم مكتوفي الأيدي إلى مقر الحاكم، وأفهم أهل بلدتهم أنه اذا بدت منهم حركة عدائية أنزل بأعيانهم المأسورين الموت العاجل فلزموا السكينة وبادروا الى دفع المال المطلوب.
وإتفق مرة مع جماعة من زملائه على المسابقة بالقوارب من ميناء قولة إلىجزيرة طشيوز الواقعة قبالتها، ولما أن أوان السباق كان البحر هائجا هياجا شديدا فخارت عزائم مناظريه وعادوا أدراجهم قبل انتهاء السباق، أما هو فثبت على مغالبة الأنواء والأمواج، وبقى مجدا في التجديف إلى أن بلغ جزيرة طشيوز بعد شديد العناء. ومن يتصفح تاريخ هذا الرجل العظيم يرى أن المزايا التي كفلت له النجاح في هذه الأمور الصغرى هي هي نفس المزايا التي مكنته من التغلب على ما اعترضه من العقبات في معترك السياسة، ودفعته الى القيام بجلائل الأعمال

جاء الى مصر ضابطا صغيرا في الحملة العثمانية التي جردتها تركيا لاخراج الفرنسيين من البلاد، وشهد انتهاء عهد الحملة الفرنسية، فلو كان على ذكاء عادي لانتهى امره بما انتهى اليه معظم ضباط الجيش التركي، ولكنه لمح من خلال الافق ما تتمخض عنه الامة المصرية من نزوع الى الحرية، وما يجيش في صدرها من امال كبار، وما تشعر به من سخط على نظام الحكم القديم، فماشاها في ميولها وسايرها في آمالها، ورسم لنفسه خطة الوصول الى عرش مصر عن طريق ارادة الشعب، وهي فكرة مبتكرة بالقياس الى ذلك العصر تدل على ذكاء محمد علي ودهائه وبعد نظره.
نزلت الحملة الفرنسية على مصر بقيادة الجنرال نابليون بونابرت في أول يوليو سنة 1798 قاصدة حسب الظاهر الاقتصاص من المماليك لاعتدائهم المتكرر على التجار الفرنسيين. أما الغرض الحقيقي من إرسال هذه الحملة، فهو إتخاذ القطر المصري قاعدة للتوسع ومزاحمة الإنگليز في آسيا وأفريقيا، ومقاومة نفوذهم الاستعماري، وجعل البحر المتوسط بحيرة فرنسية. فاتفقت الحكومتان الإنگليزية والعثمانية على وجوب اخراج الفرنسيين من مصر، وجهزت كل منهما حملة لهذا الغرض، وكان محمد علي أحد رجال الحملة العثمانية، اذ جاء مع فرقة جندها حاكم قولة وتولى قيادتها ابنه علي أغا، وكان محمد علي وكيلا لذلك القائد، فوصولوا إلى القطر المصري في يوليو سنة 1799، وبعدما اشتركت هذه الفرقة في محاربة الفرنسيين، اضطر قائدها علي أغا الى مغادرة مصر والعودة الى وطنه فخلفه محمد علي في قيادة الفرقة ورقى الى رتبة بكباشي.
واستمر النزاع مع الفرنسويين إلى يونيو سنة 1801 حيث أبرم معهم اتفاق يقضي بجلائهم عن مصر، فانسحبوا منها في شهر سبتمبر من تلك السنة، وعادت السلطة على مصر الى الدولة العثمانية ، فعينت خسروا باشا واليا عليها، فتقرب محمد علي اليه وتولى قيادة فرقة من الألبانيين، عدد رجالها ما بين ثلاثة وأربعة آلاف ، وكانت رتبته حينئذ تضاهي رتبة أمير لواء في أيامنا هذه.

محمد علي والمماليك


عندما تطلع محمد علي لتولي سلطان مصر كان أمامه عدوان يهدف إلى التخلص منهما وهما المماليك حكام البلد الأقدمين، وسلطة الوالي التركي الذي كان يمثل حكومة الاستانة، وكانت هذه الحكومة تعمل على ان تكون لها الكلمة العليا في البلاد بعد ان احتلتها بجيوشها، ثم كانت امامه عقبة اخرى وهي سلطة الجند الارناؤود والدلاة وغيرهم من اخلاط السلطنة العثمانية، فاستطاع محمد علي بدهائة وصبره وذكائه ان يضرب كل سلطة بالاخرى، وان يشق لنفسه طريق النجاح والوصول الى الغاية التي يطمح اليها.
دخلت مصر في حوزة سلاطين آل عثمان سنة 1517 م على يد السلطان سليم الأول، فرأى أن بعدها عن السلطنة يحول دون حكمها كغيرها من الولايات العثمانية، فجعل لها نظاما خاصا ظنه يضمن توطيد سلطة الدولة العثمانية فيها ويمنع اتحاد كلمة الحكام المحليين وخروجهم عن رجال السلطنة، فجعل أحد الباشاوات ممثلا للسلطان في مصر، فتبلغ بواسطته أوامر دار السلطنة لديوان الحكومة، ويرسل المال السنوي المفروض على مصر الى دار السلطنة، ويناط به حماية البلاد من الاعتداء الخارجي، وحفظ التوازن بين أمراء المماليك في الداخل، ووضعت تحت امرته قوة من الجند، كانت في بادئ الرأي مؤلفة من ست فرق، ثم زيدت إلى سبع فرق. وأنشأ مجلسا مؤلفا من ضباط هذه الفرق فوض اليه ادارة أعمال الحكومة وخوله سلطة ايقاف تنفيذ اجراءات الوالي ، واستئنافها الى الآستانة.[2]
وقسم البلاد الى أربعة وعشرين سنجقا، ووضع على رأس كل سنجق واحدة من بكوات المماليك. غير أن كرور الأيام أثبت أن هذه التدابير كانت قيمتها نظرية أكثر منها عملية، فلم تمنع ازدياد سلطة المماليك، بل ما لبثوا أن صار لهم القول الفصل في كل أمر وتضاءلت سلطة الوالي حتى غدا بازائهم أضعف من الظل، وكانت الدولة العثمانية تشعر بضعفها عن كبح جماحهم بالقوة، فأقامت تتحين الفرص لالقاء الفتن بينهم، وانتزاع السلطة منهم، على أنها بقيت من الضعف على الحال التي وصفنا الى أن نزلت الحملة الفرنسوية في مصر بقيادة الجنرال بونابرت، فبطش هذا بقوات المماليك بطشا شديدا خصوصا في وقعة الأهرام الشهيرة، فل عددهم وضعفت قوتهم الحربية وانخفضت منزلتهم في عيون خصومهم وعيون أهل البلاد الذين ذاقوا الأمرين من جور أحكامهم.
فلما انجلى الفرنسويون عن مصر أوعزت الحكومة العثمانية الى خسرو باشا أن يعمل على محق ما بقى من سلطة المماليك. أما هؤلاء فأخذوا في لم شعثهم والتحفز للقبض على أزمة الأحكام، كما كان شأنهم قبل الاحتلال الفرنسوي، وكان الانجليزي يؤيدونهم في ذلك. غير أنه وقع التزاحم بين زعيميهم عثمان بك البرديسي ومحمد بك الألفي على الاستئثار بالحكم، لكن رغما عن سوء عقبى هذا التزاحم، بقى المماليك مستولين على أهم موارد البلاد التي لا يستيطع الوالي بدونها فتح باب النزاع بين الوالي والمماليك لطمع كل منهم بالتسلط بينه وبين جنوده بسبب تأخر المرتبات، ثم بينه ايضا وبين الطامعين في الولاية من الباشوات.

سياسة محمد علي في مصر

بعد ارتقاء محمد علي الى منصب الولاية، انقضى دور العمل من وراء الستار، حيث كان هو الدافع وغيره العامل، وهو صاحب التدبير وعلى غيره تحمل المسئولية. انقضى ذلك الدور وانحصر في تصريف الأمور وحل المشاكل، ومقاومة الخصوم في الخارج والداخل. فالمماليك ضعفت قوتهم ولانت ملامسهم نوعا ما، لكن نفوسهم ما برح تحدثهم باسترجاع سلطتهم وسابق مجدهم متى سنحت الفرصة.
ومصالح الانگليز في الهند كانت آخذة في النمو، وبنموها ازدادت مصر أهمية في نظرهم، لتسهيل وسائل النقل بين انكلترا والهند بطريق البحر المتوسط ومصر والبحر الأحمر، بدلا من الطريق البحرية الطويلة حول راس الرجاء الصالح. وهذا الذي كان قد دفعهم قبلا الى قماومة حملة بونابرت على مصر وسوريا واجتذاب محمد بك الالفي احد زعماء المماليك الى جانبهم، وبذلك جهد عظيم لتسليمه مقاليد الحكم في البلاد المصرية لقاء امتيازات ينالونها منه، غير أن تفرق كلمة المماليك، وحزم محمد علي، أحبط مساعيهم كما روينا قبل.
ونظرا لاشتباك انگلترا في حرب مع الدولة العثمانية وشدة شكيمة محمد علي وحرصه على ابعاد كل تدخل أجنبي عنه، لم يأمل الإنكليز الاتفاق معه، لاسيما أنه كان شديد الميل الى الفرنسويين اللذين أخذوا بناصره حينما كان الانكليز يدفعون الدولة العثمانية الى عزله. فلذلك عزم هؤلاء على استخدام قوتهم وقوة المماليك لنزع البلاد من يد الدولة العثمانية، وتنحية محم علي عن الولاية، وتسليم زمام الأمور للمماليك.
لكن جرت التقادير ضد التدابير، فان عثمان بك البرديسي توفى في أواخر سنة 1806 وزميله محمد بك الألفي توفى في أوائل سنة 1807، فسادت الفوضى شئون المماليك لفقد زعيمهم الكبيرين، ولم يدرك الانكليز مبلغ الضعف الذي أصاب حلفاءهم وظنوا أنهم ما برحوا يستطيعون الاعتماد على معاونتهم، فوجهوا الى القطر الصمري حملة مؤلفة من نحو خمسة آلاف جندي يقودها الجنرال فريزر، فوصل الى الاسكندرية واحتلها في شهر آذار (مارس) سنة 1807، ثم حاول احتلال رشيد أولا، وثانيا ليفتح طريق المواصلة بينه وبين المماليك، وفي كلتا المرتين اخفق اخفاقا تاما، اذ امعنت الجنود العثمانية في الحملتين قتلا وتشريدا، وأخذت عددا كبيرا من الأسرى نقلوا الى القاهرة. أما المماليك فلزموا السكينة ولم يمدوا لمساعدة الانكليز يدا وأخيرا دارت المفاوضة بين محمد علي والانكليز وانتهت بالاتفاق على أن يخلي محمد علي سبيل الأسرى، وان تتجلى الجنود الانكليزية عن الاسكندرية فغادروها في شهر أيلول (سبتمبر) سنة 1807.
فكان للانتصار الذي أحرزه محمد علي صدى عظيم في مختلف أنحاء البلاد، ونال ارتياح الباب العالي وتأييده. واغتنم المماليك هذه الفرصة للقرب منه، فتوكدت سيادته في القطر المصري، وعظمت هيبته في النفوس، واتخذ محمد علي على الخطر الذي كان يهدد البلاد من الخارج حجة لتحصين الثغور، وشحن الاسكندرية بالمقاتلة، وتولى الدفاع عن الثغور المصرية بنفسه، وقد كان قبل ذلك يقوم بالدفاع عنها قائد البحرية العثمانية (القبطان باشا) وهكذا استقل بادارة الاحكام في القطر المصري وبالدفاع عنه في الداخل والخارج.
ولعلك تذكر حين عودته من الاسكندرية بعد جلاء الحملة الانلجيزي عن البلاد سنة 1807 كيف ثار الجند في القاهرة وعاثوا في اسواقها فسادا، وكيف استعمل الحكمة في اخماد ثورتهم. واعتزم من ذلك الحين ان يتخلص من الجيش القديم ويحل محله جيشا حديثا قوامه النظام والطاعة، ولكنه لم يمض في تحقيق برنامجه الا حوالي سنة 1819 -1820، وما ذلك الا لما آنسه من الخطر اذا هو انفذ مشروعه قبل ذلك الحين، فمثل هذه الاناة والحكمة وسعة الحيلة لا تصدر الا عن دهاتين الساسة ذوي الرءوس الكبيرة، وبهذه الصفات نجح في تاسيس الجيش المصري النظامي، فتامل كيف انتظر اكثر من اثنتي عشرة سنة قبل ان يبدا في انفاذ فكرته، وكيف انه عندما بدا في دور التنفيذ كان شديد الاحتياط بعيد النظر، فاسس المدرسة الحربية الاولى لتخريج الضباط النظاميين في اسوان اي في اقاصي الوجه القبلي، لكي يبدا بمشروعه بعيدا عن الدسائس والفتن التي كانت القاهرة مسرحا لها.

حرب الوهابيين

أما رجال الدولة العثمانية، فرغما عن ارتياحهم لانتصار محمد علي باشا على الانجليز الذين حاولوا الاعتداء على بلاد عثمانية، كانوا ينظرون بعين الحذر والخواف الى نمو قوته وانتشار صيته وسطوته. وكانت في أثناء ذلك قد انتشرت الدعوة الوهابية في البلاد العربية، ثم تحول أصحابها الى جيش، فاتح فغزا الحجاز واستولى على مكة المكرمة والمدينة المنورة، فارتاع لذلك العالم الاسلامي، ولم يستطع الجنود العثمانيون صدهم، بل امتدت غزواتهم الى العراق وسوريا.
فانتدبت الحكومة العثمانية محمد علي لمقابلتهم، وهي تقصد بذلك تشريفه ظاهريا بالدفاع عن الكعبة والمدينة، أما حقيقة الحال فهي أنها كانت في حاجة الى من يرد عن ولاياتها غارات الوهابيي، كما أنها كانت أمل ان المصادمة بين محمد علي والوهابيين، تلقيه في ورطة عظيمة ربما قضت عليه وعلى الوهابيين معا. على أن انتدابه لهذه المهمة الشريفة زاد مكانته رفعة في عيون المسلمين في جميع الأقطار.
فأخذ في تجهيز الجنود واعداد وسائل النقل الى الحجاز بحرا. فكانت هذه أول حركة صناعية كبرى قام بها اذ جمع لها المواد والصناع من جميع أنحاء القطر المصري، وأنشأ المصانع في بولاق، حيث جهزت السفن أجزاء، ونقلت كذلك الى السويس حيث ركبت فكان ما أنشأه بضع عشرة سفينة.
ولما اقترب أوان تسيير الحملة الحجازية، رأى من الحكمة أن يطهر البلاد من المماليك الذين كان قد قاتلهم قتالا شديدا في الأعوام الماضية حتى خضد شوكتهم، وظن أن لن تقوم لهم قائمة بعدها، ثم قرب كبارهم منه، وأقطعهم الاقطاعات، لكن لما شرع في اعداد الحملة على الوهابيين أخذوا يكيدون له ويتآمرون عليه، فعلم بمؤامراتهم لكن تجاهلها.
وعول على نكبتهم ، واختار لذلك أول مارس 1811، وهو اليوم الذي عينه لعقد لواء الحملة الحجازية في قلعة الجبل لولده طوسون باشا. فدعا الى الحفلة كبار رجال حكومته وأمراء المماليك، وبعد انتهاء الحفلة ركب المماليك خيولهم وهموا بالخروج فوجدوا باب القعلة موصدا في وجوههم، وكان الجنود قد أحدقوا بهم وأمطروهم وابلا من الرصاص وأجهزوا على من بقى حيا بالسيوف، فلم ينج منهم أحد من الذين شهدوا حفلة القلعة، فكان في ذلك اليوم القضاء الأخير على قوة المماليك في مصر، ولم يبق في البلاد من العناصر التي اعتادت الكيد للولاة واقلاق راحة العباد سوى طوائف من الجند.
بدأت هذه الحرب في سنة 1811، وانتهت في سنة 1818. قاد حملتها الأولى طوسون باشا من سنة 1811 الى 1815، وأصيبت جنوده في بادئ الأمر بانكسار شنيع، لكن عاد فاستولى على مكة والمدينة وجدة، والطائف بعد متاعب وأخطار جمة، ثم ذهب محمد علي بنفسه الى الحجاز في آب (أغسطس) 1813 ليشرف على الأعمال الحربية فمكث هناك الى شهر حزيران (يونيه) سنة 1815.
ثم تولى قيادة الحملة الوهابية ابراهيم باشا من أواخر سنة 1816 الى أن انتهت في أواخر سنة 1814، فقهر الوهابيين واستولى على مدنهم، وأكره زعيمهم عبد الله بن السعود على التسليم والذهاب الى مصر، ومنها أرسل الى الآستانة فقتلته الحكومة العثمانية على أثر وصوله. فكان للقضاء على الوهابيين فرح عظيم في العالم الاسلامي اقترن به ذكر محمد علي بالاعجاب والتكريم. وظهرت في أثناء هذه الحرب كفاءة ابراهيم باشا وصفاته العسكرية الممتازة، وبها ابتدأت شهرته التي طبقت الآفاق في ما تلاها من الحروب ومكافأة له على انتصاراته الباهرة أنعم عليه السلطان بولاية جدة.
وعدا الشهرة الواسعة التي نالها محمد علي في البلدان الأجنبية لتغلبه على الوهابيين، ازدادت سلطته رسوخا في القطر المصري، وخصوصا على رجال الجيش، لأن محاربة عدو باسل مدة سبع سنين في بلاد مقفرة أهلكت عددا كبيرا من الضباط والجنود المشاغبين، إما قتلا في المحاربة أو موتا بالأمراض، كما أن الانكسارات الأولى التي أصابت الجيش قضت على خيلاء بعض كبار ضباطه، بل أذلتهم ونزعت من الجنود الثقة بهم، فاغتنم محمد علي هذه الفرصة لتمكين قبضته لضباطهم، فكان اذا انتقل الضابط من جهة الى أخرى انتقلت جنوده معه، كأنما هم مماليكه ولا علاقة لهم مباشرة بالقيادة العامة.

تنظيم الجيش الجديد وثورة الجند


ن الجيش هو الدعامة الاولى التي شاد عليها محمد علي كيان مصر المستقلة، ولولاه لما تكونت الدولة المصرية ولا تحقق استقلالها، وهو الذي كفل هذا الاستقلال وصانه نيفا وستين سنة، فلا غرو ان خصه محمد علي باعظم قسط من عنايته ومضاء عزيمته، وليس في منشات محمد علي ما نال عنايته مثل الجيش المصري، ويكفيك دليلا على مبلغ تلك العناية ان منشاته الاخرى متفرعة منه، والفكرة في تاسيسها او استحداثها انما هي استكمال حاجات الجيش، فهو الاصل وهي التبع. فتقرير محمد علي باشا انشاء مدرسة الطب مثلا يرجع في الاصل الى تخريج الاطباء الذين يحتاج اليهم الجيش، وكذلك دور الصناعة ومصانع الغزل والنسيج، كان غرضه الاول منها توفير حاجات الجيش والجنود من السلاح والذخيرة والكساء، واقتضى اعداد الاماكن اللازمة لاقامة الجنود بناء الثكنات والمعسكرات والمستشفيات، واستلزم تخريج الضباط انشاء المدارس الحربية على اختلاف انواعها، وكذلك المدارس الملكية كان الغرض الاول منها تثقيف التلاميذ لاعدادهم على الاخص لان يكونوا ضباطا ومهندسين، وارسال البعثات الى اوروبا كان الغرض الاول منه توفير العدد الكافي من الضباط ومن الاساتذة والعلماء والمهندسين ممن يتصلون عن بعد او قرب بالاداة الحربية، صحيح ان هذه المنشات وغيرها كان لها اغراض عمرانية اخرى، لكن خدمة الجيش كانت اول ما فكر فيه محمد علي.
فالجيش اذن فضلا عن مهمته الاول من الدفاع عن استقلال البلاد كان اداة لتقدم العمران في مصر، فهو من هذه الوجهة من اجل اعمال محمد علي باشا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق